قد تكون محاطًا بالناس في الشغل أو البيت أو حتى على السوشيال ميديا، ومع ذلك تشعر كأنك معزول داخل «غرفة زجاجية». تتحرك وسط الجميع، تضحك، وتشارك الحديث… لكن داخلك صوت خافت يسأل: «ليه حاسس إني مش مهم؟ ليه رغم كل اللي حواليا لسه حاسس بالوحدة؟»
هذا الإحساس ليس ضعفًا ولا مبالغة، بل علامة على تعب داخلي محتاج التفات. أحيانًا يكون سبب من اسباب الشعور بالوحدة تراكم ضغوط، أو نقص في العلاقات العميقة، أو جرح قديم ما اتشافش، أو حتى إنه ماحدّش بيسمعك بالمعنى الحقيقي للكلمة. لأن الوحدة الحقيقية مش في غياب الناس… بل في غياب الإحساس بالتواصل، الانتماء، والمعنى.
أولًا: ما الفرق بين الوحدة والعزلة والفراغ الداخلي؟
قبل ما نفهم أسباب الشعور بالوحدة، مهم نعرف الفرق بين ثلاثة مفاهيم قريبة في الشكل… مختلفة تمامًا في الجوهر:

- العزلة الصحيّة: اختيار واعٍ للهدوء، للتركيز، أو لإعادة شحن الطاقة.
هي مساحة نرجع فيها لنفسنا… ومفيدة لكل الناس بدرجات مختلفة. - الوحدة المؤلمة: إحساس بأنك غير مرئي أو غير مسموع، حتى لو واقف وسط ناس.
هي شعور بالانفصال العاطفي… مش بالمكان الفاضي حواليك. - الفراغ الداخلي: مستوى أعمق وأثقل من الوحدة؛ إحساس بأن وجودك بلا معنى، وكأن تأثيرك في الحياة «مش فارق» مهما حاولت.
وتظهر هذه الحالات في مواقف مألوفة، مثل:
ترجع من خروجة وتشعر إنك كنت «ممثّل… مش حاضر بجد».
عندك ناس في حياتك، لكن ولا واحد تحس إنه فاهمك من قلبه.
تضحك وسط المجموعة… وتنهار داخليًا آخر اليوم.
هذه الفروق مهمة لأنها بتوضّح إن المشكلة مش في عدد الناس حواليك، بل في جودة الاتصال بينك وبين نفسك… وبينك وبين الآخرين.
ثانيًا: اسباب الشعور بالوحدة المرتبطة بالنفس
1) انخفاض تقدير الذات وصورة ذات مهتزة
الناس اللي عندهم تقدير ذات منخفض يشعرون بسهولة بأنهم «عبء» أو «زيادة».
أي مسافة من الآخرين تتُرجَم داخليًا كرفض، حتى لو لم يكن حقيقيًا.
أمثلة:
- تفسير التأخير في الرد كأنه «بيتجاهلني».
- مقارنة نفسك بالآخرين بشكل مستمر.
- توقع أن الآخرين سيتركونك في أي لحظة.
2) تجارب طفولة فيها نقص احتواء أو نقد أو تنمّر
الطفل الذي لم يحصل على احتواء كافٍ، غالبًا يكبر وهو يشعر أنه غير جدير بالحب.
تجارب مثل:
- سخرية من الشكل أو الوزن أو الضحكة.
- بيت لا يسمح بالتعبير عن المشاعر.
- مقارنة تبخّس قيمتك باستمرار.
هذه التجارب تتحول إلى صوت داخلي يقول: «أنا مش مهم».
3) نمط تعلّق غير آمن
طريقة ارتباطك بالأهل في طفولتك تؤثر على علاقاتك اليوم:
- تعلّق قَلِق: خوف من الهجر، بحث مضطرب عن القرب.
- تعلّق متجنّب: هروب من العلاقات خوفًا من الألم.
في الحالتين، النتيجة واحدة: وحدة داخل العلاقات نفسها.
4) أفكار سلبية تضخّم الإحساس بالوحدة
الفكرة التي تكررها لعقلك تصبح واقعًا داخليًا.
مثل:
- «محدش محتاجني.»
- «كل الناس أحسن مني.»
- «أنا برا كل الدوائر.»
هذه الأفكار ليست حقائق، لكنها تعمّق الإحساس بالانعزال.
ثالثًا: اسباب الشعور بالوحدة المرتبطة بالمجتمع ونمط الحياة
5) العلاقات السطحية
يمكنك أن تكون وسط عشرات الأشخاص دون علاقة واحدة حقيقية.
أمثلة:
- تجمعات مليانة ضحك لكن خالية من العمق.
- أشخاص يظهرون فقط وقت المزاح وليس وقت الضيق.
- دوائر مبنية على مصلحة أو ترفيه فقط.
العلاقات السطحية لا تشبع الاحتياج العاطفي الأساسي: أن تكون مفهومًا ومُقدّرًا.
6) الاعتماد المفرط على السوشيال ميديا
الإنترنت يعطيك «إحساسًا مؤقتًا بالوجود»… لكنه لا يعطيك علاقة.
ما الذي يحدث؟
- ساعات من التمرير بلا تواصل حقيقي.
- مقارنة مستمرة مع لحظات مثالية في حياة الآخرين.
- شعور بأنك أقلّ من الجميع… أو خارج حياتهم.
هكذا تزيد أسباب الوحدة النفسية بدل أن تقلّ.
7) تغيّرات حياتية لم يتم التعامل معها نفسيًا
مثل:
- انتقال لمدينة جديدة
- بداية جامعة
- زواج أو انفصال
- وفاة شخص قريب
- تغيير شغل مفاجئ
هذه التغيرات الكبيرة تحتاج وقتًا لإعادة بناء شبكة العلاقات. تجاهل هذا الاحتياج يولّد وحدة مؤلمة.
8) الاكتئاب واضطرابات المزاج
في بعض الأحيان، الشعور بالوحدة هو عرض لاضطراب أكبر.
علامات محتملة:
- فقدان الاهتمام بالأشياء.
- نوم زائد أو قلّة نوم.
- بطء أو توتر مبالغ فيه.
- شعور بعدم القيمة.
معالجة الاكتئاب تحسّن الوحدة بشكل كبير.
رابعًا: هل الوحدة دائمًا مشكلة فيك؟
ليس بالضرورة. هناك عوامل خارجية:

- بيئات عمل صعبة.
- مجتمعات ناقدة.
- ناس لا تجيد التعبير عن مشاعرها.
- ضغوط حياتية تستهلك الطاقة.
المهم هو التوازن: ماذا أستطيع تغييره؟ و ماذا يحتاج حدودًا فقط؟
خامسًا: خطة عملية للخروج من دائرة الشعور بالوحدة
1) تحسين علاقتك بنفسك
خطوات بسيطة:
- اكتب 3 نقاط قوة حقيقية لديك.
- قلّل المقارنة تدريجيًا (30 دقيقة يوميًا بلا سوشيال).
- تحدّث مع نفسك كما تتحدث مع شخص تحبه.
2) بناء علاقات حقيقية بدل العلاقات الكثيرة
ابدأ بشخص واحد فقط:
- شارك شعورًا بسيطًا.
- اقترح لقاء صغيرًا.
- كن صادقًا بدون مبالغة.
العلاقات القليلة العميقة تُشبع الاحتياج الحقيقي للانسان.
3) تعديل نمط يومك
الجسد والعقل مرتبطان بشدة.
جرّب:
- نوم ثابت
- 20 دقيقة مشي
- وقت هادئ يوميًا
- هواية ممتعة
هذه التفاصيل الصغيرة تغيّر كيمياء دماغك وتخفّف الفراغ الداخلي.
4) مواجهة الأفكار السلبية
بدل «أنا مرفوض»، جرّب:
«أنا محتاج ناس تشبهني… ولسه بدوّر.»
استبدال الأفكار لا يزوّر الواقع، بل يساعدك تراه بعدل أكثر.
5) طلب دعم مهني عند الحاجة
إذا استمرت وحدتك رغم المحاولات، أو أثّرت على شغلك ونومك وعلاقاتك، زيارة متخصص/ة خطوة شجاعة جدًا.
العلاج يساعد على:
- فهم جذور الوحدة
- تقوية الهوية
- التواصل بسلام
- بناء علاقات آمنة
«مش لازم تكمل الإحساس ده لوحدك» مع ونيس
في ونيس للطب النفسي نساعدك تحوّل فهمك لـ اسباب الشعور بالوحدة إلى تغيير واقعي:
- جلسة تقييم تكشف جذور الوحدة:
هل هي نمط تفكير؟ صدمة قديمة؟ اكتئاب؟ نقص علاقات آمنة؟ - خطط علاجية تعتمد على CBT, Schema Therapy, العلاج العلائقي.
- تمارين تساعدك تبني معنى وعلاقات أعمق.
- جلسات أونلاين سرية ومريحة، من أي مكان.
ابدأ رحلتك لاستعادة الإحساس بالانتماء… خطوة صغيرة تكفي كبداية.
الأسئلة الشائعة عن اسباب الشعور بالوحدة

1. هل من الطبيعي أشعر بالوحدة حتى لو عندي أصدقاء؟
نعم، لو العلاقات سطحية أو غير آمنة، وجود الناس لا يمنع الإحساس بالانعزال.
2. هل السوشيال ميديا تزيد الوحدة؟
نعم، لأنها تخلق مقارنة غير واقعية وتقلّل العلاقات الحقيقية.
3. ما الفرق بين الوحدة والاكتئاب؟
الوحدة إحساس بالعزلة… الاكتئاب يشمل فقدان المتعة والطاقة وصعوبة التركيز. وقد يجتمعان معًا.
4. هل الوحدة علامة على ضعف؟
إطلاقًا. الوحدة إشارة لاحتياج عاطفي طبيعي يحتاج اهتمام ووعي.
5. هل يمكن التخلص من الوحدة نهائيًا؟
قد تزورك الوحدة في مراحل معينة، لكنها تصبح أقل حدّة وتكرارًا عندما تبني علاقة صحية مع نفسك والآخرين.
الوحدة ليست حكمًا نهائيًا ولا عيبًا شخصيًا، بل رسالة خفيفة تقول إن داخلك عطشًا لوجود صلة حقيقية؛ صلة تبدأ من علاقتك بنفسك ثم تمتد بهدوء نحو من يشبهونك ويمنحونك شعورًا بالقبول. أحيانًا يكفي أن تفكر في شخص واحد فقط يمكن أن تتعمّق علاقتك به، وخطوة بسيطة تستطيع بها الاقتراب منه، وعادة يومية صغيرة تُخفّف ذلك الإحساس المتراكم بالعزلة. ومع مرور الوقت، ومع دعم مناسب يراك ويفهمك، تتسع الدائرة تدريجيًا، وتتحول الوحدة من مساحة باردة مغلقة إلى مكان فيه دفء وقرب ومعنى حقيقي.
المراجع الطبية
- Campaign to End Loneliness – What is loneliness? campaigntoendloneliness
- NHS – Loneliness and isolation NHS
- Mayo Clinic – Social isolation & mental health Mayo Clinic
- NIMH – Depression NIMH
- APA – Loneliness Psychology Overview APA