من برّه قد تبدو حياتك «طبيعية»: دراسة أو شغل أو بيت… لكن داخلك صوت لا يهدأ: «أنا مش كفاية… أي حد مكاني كان هيبقى أحسن.»
هذا الصوت هو علامة على انخفاض تقدير الذات؛ أي الطريقة التي ترى بها قيمتك كإنسان، لا كمجموعة إنجازات. عندما ينخفض انخفاض احترام الذات يصبح من السهل أن تدخل في علاقات مؤذية أو تعيش في جلد ذاتي مستمر. فهم اسباب انخفاض تقدير الذات لا يهدف للوم الأهل أو نفسك، بل لفهم القصة من بدايتها: ماذا حدث؟ وكيف تُترجم هذه التجارب إلى أفكار وسلوكيات يمكنك تغييرها اليوم ولو بخطوات صغيرة؟
أولًا: ما هو تقدير الذات… وما الفرق بينه وبين الثقة بالنفس؟
تقدير الذات = إحساسك الداخلي العام بقيمتك: هل ترى أنك تستحق الاحترام والحب والفرص مثل غيرك؟
الثقة بالنفس = إحساسك بقدرتك على أداء مهمة محددة (امتحان، عرض، مقابلة).

يمكن أن تكون ناجحًا في مجالات كثيرة، لكن من الداخل تشعر أنك «ولا حاجة». والعكس صحيح؛ قد تكون هادئًا أو انطوائيًا لكن راضيًا عن نفسك.
علامات شائعة لانخفاض تقدير الذات:
- نقد ذاتي قاسٍ ومتكرر.
- تصغير أي نجاح، وتضخيم أي خطأ.
- صعوبة في تقبّل المدح.
- شعور مزمن أنك أقل من الآخرين أو عبء عليهم.
ثانيًا: اسباب انخفاض تقدير الذات… الجذور الداخلية
1) طفولة فيها إهمال أو نقد أو مقارنة
كثير ممن يعانون من انخفاض احترام الذات نشأوا في بيوت يكثر فيها النقد أو السخرية أو المقارنة بالإخوة والأقارب، مع غياب واضح للتشجيع والتقبّل.
في هذه البيئة يتكوّن اعتقاد داخلي ثابت: «أنا مش كفاية»، يرافقك حتى بعد أن تكبر وتنجح.
2) تنمّر ورفض اجتماعي
التنمّر على الشكل أو الصوت أو الوزن أو اللون لا يمرّ بلا أثر. تكرار السخرية أو الإقصاء يجعل رسالتك لنفسك: «أنا غريب/عيب»، فتتجنّب العلاقات الجديدة وتتوقع الرفض حتى قبل أن يحدث.
3) معايير مثالية غير واقعية
أحد أبرز اسباب عدم تقدير الذات هو الكمالية: «لازم أكون الأول»، «لازم ما أغلطش»، «لازم كل الناس تحبني».
ولأن الكمال مستحيل، يتحوّل أي خطأ صغير إلى دليل داخلي على أنك «فاشل»، بدل أن يُرى كجزء طبيعي من تجربة التعلّم.
4) أسلوب تفكير يفلتر السلبي فقط
عقلك أحيانًا يعمل كعدسة تكبّر العيوب وتُصغّر الإيجابيات: تنجح في عدة مهام وتفشل في واحدة… تظل عالقًا في الفشل، وتسمع جمل تشجيع لكنك تفكر في تعليق ناقد واحد.
مع الوقت، الصورة التي تراها في مرآة عقلك تصبح أظلم بكثير من حقيقتك.
5) تجارب صادمة أو ضغط طويل
أحيانًا تهتز صورة الذات بعد علاقة عاطفية مؤذية، أو فقد وظيفة، أو رسوب متكرر، أو مرض يغيّر شكل الجسد أو قدرته.
هذه التجارب قد تتحوّل إلى اعتقاد: «أنا سبب المصايب» أو «ما استاهلش حاجة كويسة»، فينهار شعورك بقيمتك الإنسانية.
ثالثًا: اسباب انخفاض تقدير الذات في الواقع اليومي

6) ثقافة اجتماعية ناقدة
في مجتمعاتنا، التعليق على كل شيء يكاد يكون عادة: «تخنتي»، «لسه ما اتجوزتيش؟»، «إمتى نسمع خبر حلو؟».
هذه الرسائل تترجم داخليًا إلى: «لازم أحقّق لستة كاملة عشان أكون مقبول»، وأي نقص فيها = «أنا أقل من غيري»، حتى لو كنت تبذل ما في وسعك.
7) تأثير السوشيال ميديا
السوشيال ميديا تضخم الشعور بأنني لست كافيًا؛ صور لأجساد مثالية ورحلات وعلاقات رومانسية بدون الكواليس، وفلترات تعدّل الملامح وتخلق معيارًا غير حقيقي.
عندما تقارن نفسك بكل هذا في يوم عادي، طبيعي أن يخرج صوت داخلي: «أنا ولا حاجة جنبهم»، حتى لو كانت حياتك في الحقيقة مليئة بأشياء جيدة.
8) علاقات سطحية أو مؤذية
لو أقرب الناس لك يسخرون من مشاعرك، أو يستهينون بتعبك، أو يستخدمون نقاط ضعفك ضدك، فأنت عمليًا تنظر لنفسك من خلال «مرايا مكسورة». حتى إن قابلت أشخاصًا داعمين، قد تشك في نواياهم لأنك اعتدت رسائل عكسية عن قيمتك.
رابعًا: خطة عملية مختصرة لرفع تقدير الذات
1) راقب حوارك الداخلي
- لاحظ أكثر جملة سلبية تتكرر في رأسك.
- اسأل: «من أين جاءت؟ هل هي حقيقة أم صوت قديم؟»
- اكتب جملة بديلة أكثر عدلًا، مثل: «أنا أغلط أحيانًا، لكن عندي جوانب قوة حقيقية».
كرّر الجملة البديلة كلما سمعت صوت الناقد الداخلي، حتى لو لم تصدّقها تمامًا في البداية.
2) دفتر إنجازات صغيرة
بدل انتظار إنجاز ضخم يغيّر صورتك عن نفسك، ركّز على اليومي: التزام بمذاكرة، خروج من السرير في يوم صعب، مكالمة لطيفة أو مساعدة بسيطة.
اكتب 3 أشياء بسيطة كل يوم. بعد فترة ستكتشف أن حياتك أوسع بكثير من الصورة السلبية المختزلة في ذهنك.
3) عدّل معاييرك عن النجاح والقبول
- استبدل «لازم أكون الأفضل» بـ «عايز أتحسن عن نفسي أمس».
- استبدل «لو غلطت يبقى أنا فاشل» بـ «الغلط جزء من التعلّم».
- تذكّر: أنت لا تشترط الكمال على من تحبهم؛ فلماذا تشترطه على نفسك وحدك؟
4) نظّف دائرة علاقاتك قدر الإمكان
- اقترب من الأشخاص الذين يشجعونك ويحترمون حدودك.
- قلّل الاحتكاك بمن يسخرون من كل شيء.
- تعلّم جملة مثل: «الكلام ده بيضايقني، ياريت نغيّر الطريقة».
أحيانًا لا تحتاج معجزة، فقط تقلل جرعة السخرية والنقد من حولك ليبدأ انخفاض احترام الذات في التغيّر.
5) فكّر في طلب مساعدة مهنية
لو كان جلد الذات خارج السيطرة، أو إحساس «أنا مش كفاية» ملازمك من سنين، أو أن تقدير الذات المنخفض يخرّب علاقاتك وقراراتك، فاستشارة أخصائي/أخصائية نفسية خطوة شجاعة وليست دليل ضعف.
«من صوت قاسٍ… إلى نظرة أهدأ لنفسك» مع ونيس
في ونيس للطب النفسي نساعدك تحوّل فهمك لـ اسباب انخفاض تقدير الذات إلى خطوات عملية واضحة:
- جلسة تقييم تكتشف فيها جذور عدم تقديرك لذاتك، وهل هناك اكتئاب أو قلق مصاحب.
- خطة علاجية تعتمد على مدارس علمية مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وSchema Therapy والعلاج العلائقي.
- واجبات بين الجلسات تعلّمك كيف تتحدث مع نفسك برحمة، وتبني حدودًا صحية، وتختار علاقات تدعم احترامك لذاتك بدل أن تهدمه.
- جلسات أونلاين بسرية ومرونة في المواعيد، تقدر تبدأها من المكان اللي انت فيه الآن.
الأسئلة الشائعة عن اسباب انخفاض تقدير الذات

1. هل يمكن أن أكون ناجحًا ومع ذلك أعاني من انخفاض احترام الذات؟
نعم، يمكن أن تحقق إنجازات واضحة لكن من الداخل تشعر أنك أقل من الصورة التي يراك بها الآخرون؛ النجاح الخارجي لا يكفي وحده إذا كانت صورتك الداخلية عن نفسك مجروحة.
2. كم يستغرق تحسين تقدير الذات؟
لا توجد مدة ثابتة؛ هو تغيير تراكمي يشبه بناء عضلة، يتأثر بعمق الجروح ونوع الدعم والعلاج، لكن كثيرين يلاحظون فرقًا ملحوظًا خلال عدة شهور من العمل الجاد.
3. هل انخفاض تقدير الذات هو نفس الخجل أو الانطواء؟
لا، الانطواء ميل طبيعي لدوائر صغيرة وهدوء، ويمكن أن يكون صحيًا. انخفاض تقدير الذات يعني الشك في القيمة نفسها، سواء كنت اجتماعيًا أو هادئًا.
4. هل الاهتمام بنفسي واحترامي لها معناه أني أناني أو مغرور؟
الغرور يقول «أنا أفضل من الجميع»، بينما تقدير الذات الصحي يقول «أنا لي قيمة مثل الآخرين». الاهتمام بنفسك وحدودك لا يعني تجاهل الناس، بل يحميك من العلاقات المؤذية.
5. متى يكون من الضروري طلب مساعدة مختص؟
عندما يتحول انخفاض احترام الذات إلى اكتئاب أو قلق واضح، أو أفكار سوداوية، أو رغبة في إيذاء النفس، أو عندما يسبب مشاكل كبيرة في العمل أو الدراسة أو العلاقات، يكون طلب المساعدة ضرورة وليس رفاهية.
المراجع الطبية
- NHS – Raising low self-esteem NHS
- NHS Inform – Self-esteem self-help guide NHS
- Mind – About self-esteem Mind
- Verywell Mind – Why It’s Important to Have High Self-Esteem Verywell Mind
- Mayo Clinic – Self-esteem and mental health Mayo Clinic